دانلود جدید ترین فیلمها و سریالهای روز دنیا در سایت 98Movies. اگر در جستجوی یک سایت عالی برای دانلود فیلم هستید به این آدرس مراجعه کنید. این سایت همچنین آرشیو کاملی از فیلمهای دوبله به فارسی دارد. بنابراین برای دانلود فیلم دوبله فارسی بدون سانسور نیز می توانید به این سایت مراجعه کنید. در این سایت امکان پخش آنلاین فیلم و سریال همراه با زیرنویس و فیلمهای دوبله شده به صورت دوزبانه فراهم شده است. بنابراین برای اولین بار در ایران شما می توانید فیلمهای دوبله شده را در تلویزیونهای هوشمند خود به صورت دوزبانه و آنلاین مشاهده نمایید.
التاريخ : 2026-11-01

يوسف العيسوي .. سنديانة صامدة

فارس كرامة


ثمة رجال لا تقاس قيمتهم بالمناصب التي شغلوها، بل بالمسافات التي اختصروها، وبالأبواب التي فتحوها، وبالقلوب التي استطاعوا الوصول إليها، ويوسف العيسوي 'أبو حسن' واحد من هؤلاء، رجل اختار أن يكون جسراً وأقرب الطرق بين الهاشميين والأردنيين، وأن يحمل أمانة الوصل بين القيادة والشعب، لا بصفته رئيسا للديوان الملكي فحسب، بل باعتباره خادما أمينا للعرش الهاشمي، وعينا ترى ما في الشارع الأردني، وأذنا تصغي لنبض الناس، وصدرا يتسع لأوجاعهم وحكاياتهم.

لم تكن هذه المهمة سهلة، ولا كانت الطريق مفروشة بالورود، لكنها احتاجت إلى رجل من طينة السنديان، تضربه الرياح ولا تكسره، وتتعاقب عليه الفصول ولا يفقد جذوره، رجل جمع بين صرامة الجندي ودفء الإنسان، وبين هيبة المسؤول وبساطة ابن البلد، فكان حاضرا حيث يكون الأردنيون، وسندا حيث تكون الحاجة، ووجها مألوفا في الأفراح والأتراح.

أما الأردن، فقد عرف فيه سندبادا لا يمل الترحال، يجوب المحافظات والبوادي والمدن والقرى والمخيمات، حاملا رسالة الملك إلى الناس، وعائدا إلى القيادة بحكاياتهم وآمالهم وأوجاعهم، لم تكن خارطة الوطن بالنسبة إليه مجرد جغرافيا، بل عائلة كبيرة يعرف دروبها ووجوهها وحكاياتها، كان في بيوت العزاء كما في مناسبات الفرح مندوبا عن جلالة الملك، وبين البسطاء وأصحاب الحاجة كما في المحافل الرسمية، حتى غدا حضوره جزءا من المشهد الاجتماعي الأردني.

كان أبو حسن خادما أمينا لجلالة الملك والهاشميين، وفيا للبيت الذي نذر سنوات عمره في خدمته، ومؤمنا بأن أعظم صور الوفاء للقيادة أن تكون قريبا من شعبها، لم يكن مجرد ناقل للرسائل، بل كان العين التي ترى وجع الأردنيين، والأذن التي تصغي إلى شكواهم، والصوت الذي يحمل همومهم واحتياجاتهم إلى جلالة الملك، كان يدرك أن مهمته لا تكتمل بمجرد إيصال رسالة القيادة إلى الناس، بل بأن يعود من بين الناس بما يحملونه من آمال وأوجاع وتطلعات، لذلك كان جسر الوصل الحقيقي بين الهاشميين وشعبهم، جسر ثقة ووفاء، حظي بمحبة القيادة وتقديرها، وجاءت الأوسمة والتكريمات التي نالها تعبيرا عن الاعتزاز بمسيرته وعطائه.

ولعل أجمل ما ارتبط بتجربته أنه لم يتعامل مع الديوان الملكي باعتباره مؤسسة ذات أبواب وحواجز، بل بيتا أردنيا كبيرا تتسع غرفه لكل الأردنيين، على اختلاف منابتهم وأصولهم وفئاتهم، آمن بأن قيمة المؤسسة ليست في جدرانها ولا في فخامة مكاتبها، بل في قدرتها على احتضان الناس، وأن الديوان الذي يحمل اسم الهاشميين يجب أن يبقى قريبا من شعبهم، يسمعهم ويحتضن قضاياهم.

وفي شخصية أبي حسن مفارقة تستحق التأمل، رجل اعتاد أن يحمل أوجاع الآخرين، ويقف إلى جانب أصحاب الحاجة والمصاب، لكنه ذاق بنفسه مرارة الفقد حين رحل فلذة كبده حاتم، هناك، حيث تعجز الكلمات وتسقط كل محاولات المواساة، واجه وجعا لا تقوى المناصب على تخفيفه، ولا تستطيع السنوات محوه، ومع ذلك، ظل صابرا محتسبا، يحمل حزنه في قلبه ويمضي في واجبه، وكأن الرجل الذي اعتاد أن يربت على أكتاف المفجوعين اختار أن يخفي وجعه عن العيون، وأن يواصل الوقوف إلى جانب أحزان الآخرين.

ولم تكن مسيرته بمنأى عن عواصف الشائعات والهجوم والانتقادات، لكنه لم يكن ممن تغيرهم الرياح أو تستنزفهم الضوضاء، ظل صلبا كالسنديان، هادئا أمام العواصف، لا ينحني ولا يتخلى عن مهمته، لم يكن كثير الالتفات إلى ما يقال بقدر انشغاله بما يجب أن يفعل، وكأنما أدرك مبكرا أن المسؤولية طريق طويل لا يحتمل التوقف عند كل حجر يعترضه.

وعندما نعود إلى بداية الحكاية، نجد أن أبا حسن لم يصل إلى موقعه من طريق مختصر، ولم تكن رئاسة الديوان محطة عابرة في سيرته، بل تتويجا لمسيرة امتدت قرابة سبعة عقود في خدمة الدولة الأردنية، بدأت الحكاية عام 1958، حين التحق بصفوف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وخدم في الملحقيات العسكرية في دمشق وبيروت، وأسهم في استحداث الملحقية العسكرية الأردنية في سلطنة عُمان، قبل أن ينتقل إلى الديوان الملكي عام 1993.

ومنذ ذلك التاريخ، كان الديوان فصلا جديدا في رحلة الرجل، تنقل بين المواقع والمسؤوليات، من إدارة الشؤون الإدارية والموارد البشرية إلى الأمانة العامة، ثم الاستشارة ومتابعة تنفيذ المبادرات الملكية، حتى صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه رئيسا للديوان الملكي الهاشمي في حزيران 2018، رحلة لم تكن مجرد تدرج وظيفي، بل تراكم تجربة وخبرة ووفاء، حمل خلالها مسؤوليات مختلفة وظل حاضرا في تفاصيل العمل العام.

اليوم، وهو يحتفل بعيد ميلاده الرابع والثمانين، تبدو سنوات عمره أشبه بمحطات في كتاب الدولة الأردنية، من ميادين الجيش إلى أروقة الديوان، ومن المهمات الخارجية إلى القرى والبوادي الأردنية، حتى رئاسة الديوان، وقد تقلد خلال هذه المسيرة أوسمة أردنية وعربية رفيعة، بينها وساما الاستقلال والكوكب من الدرجة الأولى، ووسام الأرز الوطني اللبناني برتبة فارس، ووسام السلامة العماني.

لكن الأوسمة، مهما علت قيمتها، لا تختصر حكاية رجل، والمناصب مهما ارتفعت لا تروي وحدها سيرة إنسان، فهناك وسام آخر لا تمنحه المراسيم، ولا تحفظه خزائن الدولة، هو محبة الناس وأثر الحضور في ذاكرتهم.

كل عام وأبو حسن بخير، 84 عاما من العمر، وقرابة سبعة عقود من العطاء، سنديانة أردنية لم تكسرها الرياح، وسندباد لم يتعب من الترحال في دروب الوطن، وخادم أمين للهاشميين، وجسر ظل ممتدا بين القيادة والشعب، ورجل أدرك أن أعظم ما يتركه المسؤول خلفه ليس الكرسي الذي جلس عليه، بل الأبواب التي فتحها، والقلوب التي وصل إليها، والوفاء الذي لم يتبدل.
عدد المشاهدات : ( 260 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .